محمد هادي معرفة
40
التمهيد في علوم القرآن
542 ) اختيار يشبه اختيار أبي سليمان البستي ، ولعلّه اختزال منه ، ذكره في مقدّمة تفسيره ( المحرّر ) ونقله الإمام بدر الدين الزركشي ، مع تصرّف واختصار . . قال ابن عطيّة : إنّ الذي عليه الجمهور والحذّاق ، وهو الصحيح في نفسه ، أنّ التحدّي إنّما وقع بنظمه ، وصحّة معانيه ، وتوالي فصاحة ألفاظه . ووجه إعجازه أنّ اللّه قد أحاط بكلّ شيء علما ، وأحاط بالكلام كلّه علما ، فإذا ترتّبت اللفظة من القرآن علم - بإحاطته - أيّ لفظة تصلح أن تلي الأولى ، ويتبيّن المعنى دون المعنى ، ثمّ كذلك من أوّل القرآن إلى آخره . والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول ، ومعلوم ضرورة أنّ بشرا لم يكن قطّ محيطا ، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة ، وبهذا النظر يبطل قول من قال : إنّ العرب كان في قدرتها الإتيان بمثله ، فلمّا جاءهم محمّد ( صلى اللّه عليه وآله ) صرفوا عن ذلك وعجزوا عنه ! والصحيح أنّ الإتيان بمثل القرآن لم يكن قطّ في قدرة أحد من المخلوقين ، ويظهر لك قصور البشر ، في أن الفصيح منهم يضع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده ، ثم لا يزال ينقّحها حولا كاملا ، ثم تعطى لأحد نظيره فيأخذها بقريحة خاصة فيبدّل فيها وينقّح ، ثمّ لا تزال كذلك فيها مواضع للنظر والبدل . وكتاب اللّه سبحانه لو نزعت منه لفظة ، ثم أدير لسان العرب على لفظة في أن يوجد أحسن منها لم توجد ، ونحن تتبيّن لنا البراعة في أكثره ، ويخفى علينا وجهها في مواضع ، ولقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق ، وجودة القريحة ، وميز الكلام . قال : وقامت الحجة على العالم بالعرب ، إذ كانوا أرباب الفصاحة وفطنة المعارضة كما قامت الحجة في معجزة عيسى بالأطبّاء ، وفي معجزة موسى بالسحرة ، فإنّ اللّه تعالى إنّما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهير أبرع ما يكون في زمن النبيّ الذي أراد اظهاره ، فكان السحر في مدة موسى قد انتهى إلى